المصدر: القدس العربي
التصنيف: سياسة
تاريخ النشر: 2026-05-30 19:24:24
<p><img width="900" height="537" src="https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2026/05/FB_IMG_1779440480687.jpg" class="attachment-post-thumbnail size-post-thumbnail wp-post-image" alt="" decoding="async" fetchpriority="high" srcset="https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2026/05/FB_IMG_1779440480687.jpg 900w, https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2026/05/FB_IMG_1779440480687-768x458.jpg 768w, https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2026/05/FB_IMG_1779440480687-296x178.jpg 296w" sizes="(max-width: 900px) 100vw, 900px"></p>تونس ـ «القدس العربي»:في زمن تتقاذفه الانقسامات السياسية والصراعات الثقافية ومحاولات طمس الذاكرة الجماعية للشعوب، يبرز المتحف بوصفه أكثر من مجرد فضاء لحفظ القطع الأثرية أو عرض الشواهد التاريخية. إنه ذاكرة حيّة للأمم، وجسر حضاري يصل الماضي بالحاضر، ومنبر إنساني يذكر العالم بأن الحضارات لا تبنى بالحروب وإنما بالتراكم الثقافي والتفاعل الإنساني. ومن هذا المنطلق، […]
العنوان: متحف باردو التونسي يفرض حضوره على الخريطة الثقافية العالمية تونس ـ «القدس العربي»:في زمن تتقاذفه الانقسامات السياسية والصراعات الثقافية ومحاولات طمس الذاكرة الجماعية للشعوب، يبرز المتحف بوصفه أكثر من مجرد فضاء لحفظ القطع الأثرية أو عرض الشواهد التاريخية. إنه ذاكرة حيّة للأمم، وجسر حضاري يصل الماضي بالحاضر، ومنبر إنساني يذكر العالم بأن الحضارات لا تبنى بالحروب وإنما بالتراكم الثقافي والتفاعل الإنساني. ومن هذا المنطلق، يكتسي اختيار شبكة CGTN للمتحف الوطني بباردو باعتباره الممثل الوحيد للعالمين العربي والأفريقي ضمن مشروعها الإعلامي الدولي بمناسبة اليوم العالمي للمتاحف، أهمية استثنائية تتجاوز البعد الثقافي نحو أبعاد حضارية وسياسية ورمزية عميقة. اعتراف دولي هذا الاختيار ليس حدثا بروتوكوليا عابرا، بل هو اعتراف دولي جديد بمكانة متحف باردو باعتباره واحدا من أهم المعالم الحضارية في حوض المتوسط وأفريقيا والعالم العربي، ومؤسسة ثقافية تختزن في جدرانها ذاكرة قرون طويلة من التفاعل بين الحضارات والأديان والثقافات التي تعاقبت على تونس منذ العصور القديمة. كما يعكس هذا التتويج المكانة المتزايدة للتراث التونسي في الخريطة الثقافية الدولية، خاصة في ظل تنامي الاهتمام العالمي بالهوية المتوسطية وبالمتاحف التي تمثل فضاءات للحوار الإنساني. جاء هذا الاختيار ضمن مبادرة أطلقتها شبكة CGTN بعنوان «ربط العالم عبر المتاحف»، وذلك احتفاء باليوم العالمي للمتاحف الموافق لـ18 آيار/مايو 2026، حيث جمعت المبادرة عددا محدودا من المتاحف والمؤسسات الثقافية من دول مختلفة مثل الصين وإيران والبرازيل والأرجنتين واليونان وسلوفينيا والمملكة المتحدة وتونس. وكان متحف باردو التونسي الحاضر الوحيد عن أفريقيا والعالم العربي، في دلالة واضحة على الثقل الحضاري الذي يمثله هذا الصرح الثقافي. ويكتسب هذا الحدث أهمية إضافية بالنظر إلى طبيعة المناسبة ذاتها، أي اليوم العالمي للمتاحف، الذي ينظمه سنويا المجلس الدولي للمتاحف منذ سنة 1977، والذي اختير له هذا العام شعار «المتاحف توحد عالما منقسما». وهو شعار يحمل دلالات عميقة في عالم يعيش على وقع الحروب والانقسامات والهويات المتصارعة. وقد أكدت منظمة اليونسكو أن متاحف العالم أصبحت اليوم فضاءات للحوار والتفاهم المشترك ومقاومة النسيان والتطرف، وليست مجرد مخازن للقطع الأثرية. وفي هذا السياق، يبدو اختيار متحف باردو منسجما تماما مع هذه الرؤية العالمية الجديدة لدور المتاحف. فهذا المتحف لا يختزل فقط تاريخ تونس، بل يلخص أيضا تاريخ البحر الأبيض المتوسط بأكمله، بما شهده من تعايش وتلاقح بين الحضارات القرطاجية والنوميدية والرومانية والبيزنطية والعربية الإسلامية. إنه فضاء تختلط فيه اللغات والرموز والأساطير والفنون والديانات، بما يجعله متحفا للإنسانية أكثر من كونه متحفا وطنيا فحسب. ويعد متحف باردو من أعرق المتاحف في المنطقة العربية والأفريقية والمتوسطية، إذ تأسس في أواخر القرن التاسع عشر داخل أحد القصور الحسينية التاريخية بالعاصمة تونس، قبل أن يتحول تدريجيا إلى واحد من أهم المتاحف الأثرية في العالم. ويضم المتحف مجموعات أثرية نادرة، أشهرها بلا شك الفسيفساء القرطاجية والرومانية التي جعلته يوصف بـ«متحف الفسيفساء العالمي»، نظرا لاحتوائه على واحدة من أكبر وأغنى مجموعات الفسيفساء المكتشفة في العالم، ولعل أشهر لوحاته الفسيفسائية التي لا تقدر بثمن، لوحة الشاعر فرجيل الشهيرة التي تعتبر اللوحة الوحيدة في العالم التي تصور ملامح وجه شاعر شهير من عصور ما قبل الميلاد بأدق تفاصيلها. ولعل ما يمنح متحف باردو خصوصيته الاستثنائية هو قدرته على اختزال التنوع التونسي في بعده الحضاري والإنساني. ففي أروقته يمكن للزائر أن ينتقل من الحضارة القرطاجية والنوميدية إلى الرومانية، ومن الفترة المسيحية المبكرة إلى مرحلة الحضارة الإسلامية، ومن النقوش القرطاجية واللاتينية إلى الزخارف العربية، وكأنه يسافر عبر الزمن داخل فسيفساء حضارية متكاملة. وهذا التنوع بالذات هو ما جعل CGTN تختاره ضمن مشروعها العالمي الذي يهدف إلى إبراز المتاحف بوصفها جسورا للتواصل بين الشعوب. ولم يكن الفيلم الوثائقي الذي أنجزته وكالة تونس أفريقيا للأنباء مؤخرا حول متحف باردو مجرد عمل ترويجي تقليدي، بل حمل بعدا فنيا وإنسانيا عميقا. فقد رافقت الكاميرا طفلة صغيرة خلال زيارتها للمتحف، في رحلة بصرية وشعرية عبر أروقته وفسيفسائه وقاعاته التاريخية. ومن خلال عيون هذه الطفلة، حاول الفيلم تقديم المتحف ليس باعتباره مكانا جامدا، بل فضاء حيا يروي القصص ويوقظ الخيال ويعيد اكتشاف الإنسان لتاريخه وهويته. كما استعان العمل بنصوص شعرية للشاعر أنيس العبيدي، ما أضفى على الوثائقي بعدا جماليا وتأمليا لافتا. إن نجاح هذا العمل الإعلامي يعكس أيضا أهمية الدبلوماسية الثقافية في عالم اليوم. فالدول لم تعد تعتمد فقط على السياسة والاقتصاد لتأكيد حضورها الدولي، بل أصبحت الثقافة والتراث والفنون أدوات أساسية للقوة الناعمة. ومن هنا، فإن حضور متحف باردو في مشروع دولي بهذا الحجم يمثل فرصة ثمينة لتونس من أجل تعزيز صورتها الحضارية والترويج لتراثها الثقافي أمام جمهور عالمي واسع، خاصة عبر منصة إعلامية دولية بحجم CGTN التي تبث بلغات متعددة وتصل إلى مئات الملايين من المشاهدين حول العالم. رمز للصمود كما يكتسي هذا التتويج أهمية خاصة بالنسبة لتونس في ظل التحديات التي واجهها متحف باردو خلال السنوات الماضية، وخاصة بعد العملية الإرهابية الدامية التي استهدفته سنة 2015، في محاولة لضرب صورة تونس الثقافية والسياحية. غير أن المتحف استطاع أن يتحول من رمز للألم إلى رمز للصمود والانتصار للحياة والثقافة في مواجهة الإرهاب. ومن هذا المنطلق، فإن ظهوره اليوم في مشروع دولي يحتفي بالحوار الحضاري يمثل رسالة قوية مفادها أن الثقافة أقوى من العنف، وأن الحضارات لا تموت مهما حاول المتطرفون استهدافها. ولا يمكن فصل هذا الاعتراف الدولي عن العمق الحضاري لتونس نفسها. فهذا البلد الكبير تاريخيا، كان عبر العصور نقطة التقاء للحضارات المتوسطية والأفريقية والعربية. فمن قفصة مهد الحضارة القبصية إلى قرطاج مهد الحضارة البونية، ومن مدينة القيروان منشأ الحضارة الإسلامية الشمال أفريقية إلى مدينة تونس مركز الإشعاع العلمي الزيتوني، ومن دقة مهد نوميديا وعاصمتها وأصل نشأتها إلى الجم بأحداثها الأسطورية وقصرها المهيب، ومن سيدي بوسعيد ببياضه وزرقته إلى المدن العتيقة المنتشرة على امتداد البلاد والمحروسة بأسوارها الشامخة وأبوابها النادرة، تتشكل لوحة حضارية فريدة تجعل تونس متحفا مفتوحا على التاريخ. ولذلك، فإن متحف باردو لا يمثل مجرد مؤسسة ثقافية معزولة، بل هو اختزال رمزي لذاكرة تونس الجماعية وللدور الحضاري الذي لعبته البلاد عبر التاريخ. ومن جهة أخرى، يطرح هذا الحدث سؤالا مهما حول واقع المتاحف العربية والأفريقية عموما، ومدى قدرتها على الحضور في المشهد الثقافي العالمي. فالكثير من هذه المتاحف تعاني من ضعف التمويل ونقص الترويج الرقمي وقلة الانفتاح الإعلامي الدولي. ومن هنا، فإن تجربة متحف باردو يمكن أن تشكل نموذجا لكيفية تحويل المتحف من فضاء تقليدي إلى منصة ثقافية عالمية تستثمر في الصورة والإعلام والتكنولوجيا والسرد البصري. كما تؤكد هذه المبادرة الدولية أن المتاحف لم تعد مجرد أماكن لعرض الماضي، بل أصبحت فضاءات لصناعة المستقبل أيضا. ففي عصر الذكاء الاصطناعي والثورات الرقمية، باتت المتاحف مطالبة بتطوير أدواتها وأساليب تواصلها مع الأجيال الجديدة، عبر التقنيات الحديثة والوسائط التفاعلية والبرامج التعليمية والثقافية. وقد أشارت تقارير دولية حديثة إلى تنامي اعتماد المتاحف العالمية على تقنيات الواقع الافتراضي والذكاء الاصطناعي والتجارب الرقمية من أجل جذب الجمهور وإعادة إحياء التراث بأساليب معاصرة. ولعل الرسالة الأعمق التي يحملها اختيار متحف باردو تكمن في التأكيد على أن الثقافة العربية والأفريقية قادرة على الحضور عالميا عندما تجد من يقدمها بصورة ذكية وحديثة وإنسانية. فالعالم لا يبحث فقط عن الآثار والقطع القديمة، بل يبحث أيضا عن القصص الإنسانية التي تحملها هذه الآثار، وعن القيم المشتركة التي تعكسها الحضارات المختلفة. ومتحف باردو، بما يختزنه من تنوع وتعدد وانفتاح، يقدم للعالم صورة مغايرة عن المنطقة العربية والأفريقية، بعيدا عن الصور النمطية المرتبطة بالصراعات والتوترات. إن هذا التتويج الدولي ينبغي أن يدفع المؤسسات الثقافية التونسية إلى مزيد الاستثمار في التراث الوطني، ليس فقط باعتباره إرثا تاريخيا، بل موردا استراتيجيا للتنمية الثقافية والسياحية والاقتصادية. فالثقافة اليوم أصبحت صناعة قائمة بذاتها، والمتاحف الكبرى تحولت إلى محركات اقتصادية وسياحية حقيقية. وتونس، بما تملكه من رصيد حضاري استثنائي، قادرة على أن تصبح وجهة ثقافية عالمية إذا ما أحسنت توظيف هذا الإرث الثمين. وبالتالي فإن اختيار المتحف الوطني بباردو ضمن مشروع CGTN ليس مجرد خبر ثقافي عابر، بل هو حدث يحمل دلالات حضارية عميقة ورسائل إنسانية متعددة. إنه اعتراف عالمي جديد بقيمة التراث التونسي، وتأكيد على أن المتاحف ليست مجرد مبانٍ تحتفظ بالماضي، بل مؤسسات تصنع الحوار والتفاهم والسلام. كما أنه تكريم لتونس التي ظلت عبر التاريخ أرض لقاء بين الحضارات، وفضاء للتعدد والانفتاح والتعايش. وفي عالم يزداد انقساما وتوترا، تبقى المتاحف، كما يؤكد شعار اليوم العالمي للمتاحف هذه السنة، قادرة على توحيد البشر حول ذاكرتهم المشتركة. وربما كان متحف باردو، بما يحمله من رمزية وتاريخ، واحدا من أجمل الأمثلة على قدرة الثقافة على بناء الجسور حيث تفشل السياسة، وعلى جعل الماضي أداة لفهم الحاضر وصناعة مستقبل أكثر إنسانية.