الاحتلال والعنف الجنسي بحق الفلسطينيات… محرك أساسي للتهجير

المصدر: القدس العربي

التصنيف: سياسة

تاريخ النشر: 2026-05-30 19:08:17

<p><img width="900" height="537" src="https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2026/05/SA3ED-3.jpg" class="attachment-post-thumbnail size-post-thumbnail wp-post-image" alt="" decoding="async" fetchpriority="high" srcset="https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2026/05/SA3ED-3.jpg 900w, https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2026/05/SA3ED-3-768x458.jpg 768w, https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2026/05/SA3ED-3-296x178.jpg 296w" sizes="(max-width: 900px) 100vw, 900px"></p>رام الله ـ «القدس العربي»:  أدرج الأمين العام للأمم المتحدة لأول مرة القوات المسلحة والأمنية الإسرائيلية ضمن قائمة الأطراف المتورطة في أنماط موثوقة من العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات، وهذا يستحق الإشادة رغم انه جاء متأخرا كثيرا. وحسب التقرير السنوي السابع عشر حول العنف الجنسي في النزاعات، فقد أُدرجت القوات الإسرائيلية، بما في ذلك الجيش الإسرائيلي، […]

العنوان: الاحتلال والعنف الجنسي بحق الفلسطينيات… محرك أساسي للتهجير رام الله ـ «القدس العربي»: &nbsp;أدرج الأمين العام للأمم المتحدة لأول مرة القوات المسلحة والأمنية الإسرائيلية ضمن قائمة الأطراف المتورطة في أنماط موثوقة من العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات، وهذا يستحق الإشادة رغم انه جاء متأخرا كثيرا. وحسب التقرير السنوي السابع عشر حول العنف الجنسي في النزاعات، فقد أُدرجت القوات الإسرائيلية، بما في ذلك الجيش الإسرائيلي، ومصلحة السجون الإسرائيلية بما فيها وحدة «كيتر» الخاصة، ووحدة مكافحة الإرهاب في الشرطة الإسرائيلية «يمام»، استناداً إلى ما وصفته الأمم المتحدة بـ«معلومات موثوقة تشير إلى استمرار أنماط من الاغتصاب وأشكال أخرى من العنف الجنسي» وذلك بعد أن وضع التقرير السابق الجهات الإسرائيلية «قيد الإشعار» تمهيداً لاحتمال إدراجها على القائمة. وكانت الأمم المتحدة خلال عام 2025 قد تمكنت من التحقق من 31 حالة عنف جنسي مرتبطة بالنزاع نُسبت إلى القوات الإسرائيلية شملت 14 رجلاً و7 نساء و9 أطفال وطفلة من قطاع غزة والضفة الغربية. حيث تضمنت الانتهاكات التي جرى التحقق منها حالات اغتصاب، بينها الاغتصاب باستخدام أدوات، واغتصاب جماعي، ومحاولات اغتصاب، واعتداءات جسدية استهدفت الأعضاء التناسلية، وحالات إطلاق نار استهدفت الأعضاء التناسلية، إضافة إلى ملامسة قسرية للثديين والأعضاء التناسلية وعمليات تفتيش عارٍ وتفتيش جسدي داخلي بدون مبررات أمنية. وقعت الانتهاكات بصورة رئيسية داخل أماكن الاحتجاز، كما سُجلت حالات أخرى عند الحواجز العسكرية وخلال العمليات العسكرية. وأضافت أن الأمم المتحدة تعتبر هذه الانتهاكات جزءاً من نمط أوسع من العنف الجنسي ضد الفلسطينيين، بهدف ترهيب السكان ودفعهم إلى التهجير القسري. وفي وقت سابق كان خبراء الأمم المتحدة قد أعربوا عن بالغ قلقهم إزاء تحوّل العنف الجنسي إلى أداة تُستخدم في سياق الاحتلال الإسرائيلي، بما يُرسّخ نظام القمع من خلال ترهيب السكان الفلسطينيين ودفعهم إلى التهجير القسري، وقد يرقى إلى مستوى الإبادة الجماعية. وحسب تقييم صادر عن الأمم المتحدة في شباط/فبراير 2024، وكذلك تقرير لجنة الأمم المتحدة الدولية المستقلة للتحقيق في الأراضي الفلسطينية المحتلة الصادر في آذار/مارس 2025، فقد خلصا إلى أن العنف الجنسي والإنجابي، وغيره من أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي ضد النساء والرجال والفتيات والفتيان الفلسطينيين، يُستخدم «لترهيبهم وإدامة نظام القمع». وظهر أن الانتهاكات المتصاعدة لا تهدف فقط إلى إلحاق الأذى بالأفراد، بل إلى تقويض المجتمع الفلسطيني بأسره. فهي تُعدّ سببًا ونتيجةً في آنٍ واحد للتهجير القسري، إذ تُسهم في خلق بيئة قسرية تُجبر الأفراد والمجتمعات على الفرار، وتُعرّضهم في الوقت ذاته لمخاطر متزايدة من انتهاكات إضافية. سلب الفلسطينيات سألت «القدس العربي» باحثتين مختصتين حول نهج العنف الجنسي القائم على النوع الاجتماعي في سبيل فهم الظاهرة المعقدة وتفكيك عناصرها وكيف يمكن تجاوزها. أفنان كناعنة، باحثة مُستقلّة في دراسات الاتّصال والإعلام اعتبرت أن التاريخ يخبرنا عن استُخدم الاعتداءات الجنسيّة أو العنف القائم على النوع الاجتماعيّ في سياقات الحروب والاستعمار كوسيلة للإخضاع والسيطرة الاستعماريّة على السُكّان كما في البوسنة، رواندا، الكونغو، السودان وغيرها. أما في السياق الفلسطينيّ، فإن الاحتلال يُوظَّف العنف الجنسيّ تحديدًا لأنّه يُلامس مَفاهيم الشرف والسمعة، ما يُضاعف أثره النفسيّ والاجتماعيّ، ويحوّله إلى أداة ردع جماعيّ، خصوصًا وأنّ الوصمة الاجتماعيّة كثيرًا ما تُلاحق النساء، ليُعيد المُجتمع إنتاج العنف كفعل غير مرئيّ مُستمر. ورأت كناعنة أن هذه الانتهاكات تسعى كذلك إلى سلب الفلسطينيّات من سُلطتهنَّ ووكالتهنَّ على أجسادهنَّ، ونقل القدرة على التحكّم بها إلى المُستوطنين بحماية ومُباركة من الجيش الإسرائيليّ. «إذا فقدت النساء سيطرتهن على أجسادهن فغالبًا ما يترافق شعورهن بفقدان السيطرة على حياتهن كذلك، إذ ينبغي لوكالة الفرد على جسده أن تكون مُطلقة وأن يكون كلّ إنسان سيِّدَ نَفسه، فهذا هو شرط حرّيّته وإنسانيّته على حدّ سواء. ليس ذلك وحسب، بل إنّ الجسد هو وعاء الروح البشريّة ومصدر الحياة والفكر، بل ومنبع الكرامة والإنسانيّة للفرد، لذلك فأي انتهاك لأجساد الفلسطينيّات يسعى إلى تغييب ذواتهنَّ لصالح تحويلهنَّ إلى أهداف وضحايا مُحتملة لاعتداءات المُستوطنين». وحول كيف يعمل العنف الجنسي بحق النساء مجتمعيا في سبيل تحقيق أهدافه، قالت إنه في سياق المُجتمعات العربية عمومًا، والفلسطينيّة خصوصًا، لا يُمكن أن ننظر للاعتداءات الجنسيّة على أنّها انتهاكات فرديّة تقع على الضحيّة وحسب، فهي تُصيبُ العائلة كوحدة اجتماعيّة، حيث يُنظر لجسد المرأة على أنّه امتداد لشرف العائلة، لذلك كثيرًا ما تخلق هذه الانتهاكات شعورًا جماعيًّا بالعار والخطر، ما يُسرِّع تَفَكّك الروابط الاجتماعيّة ويُضعف القُدرة على الصُمود. لذلك، تُسارع العائلات إلى اتّخاذ قرارات وقائيّة غير مدروسة مثل إرسال النساء بعيدًا، منع الفتيات من التعليم، الزواج المُبكِّر، والنزوح؛ وهي قرارات تُقوّض المجتمع من الداخل بدون تدخّل مُباشر. وتتابع قائلة: «تتعاظم ردود الفعل هذه نتيجة قلّة الحيلة التي يُعاني منها الرجال، خصوصًا مع عجزهم عن أداء أدوارهم الاجتماعيّة بتوفير الحماية للنساء والأطفال من الاعتداءات الجنسيّة، وفي أحيانٍ أُخرى قد يكونونَ بأنفسهم ضحايا لهذه الاعتداءات. لذلك، يصير الحال هو أن تنزح العائلة لتستعيد قدرتها على الحماية والفعل، واستعادة وكالتها على أجساد وسلامة أفرادها». وتخلص كناعنة إلى أن الاعتداءات الجنسيّة وتلك القائمة على النوع الاجتماعيّ صارت مُحرِّكًا أساسيًّا للنزوح، ذلك أنّ العنف الجنسيّ لا يسعى إلى إحلال صدمة لحظيّة وحسب، بل إلى استدامة الخوف داخل البيت، في الحقل وفي الطريق إلى المدرسة، حتّى تصير الحياة اليوميّة نفسها موقع تهديد دائم، ما يجعل الاستمراريّة في المكان شبه مُستحيلة. بالتالي، ينشغل الفلسطينيّ بحماية جسده، كرامته وخصوصيّته، حتّى يبدأ وجوده بالانكماش والانحسار من أرضه بحثًا عن الأمان، وهو ما يحقق هدف الإفراغ التدريجيّ للمناطق بما يبدو كخيار «طوعيّ». إنّ تدمير قُدرة الفلسطينيّ على البقاء، النجاة والمُواجهة يُتيح المجال أمام طموحات التوسّع الاستيطانيّ الإسرائيليّة. أما مسألة كيف يمكن أن يكون الرد الفلسطيني وطبيعة طرق المواجهة، ردت كناعنة إنّ أي مشروع تحرير في العالم يبدأ بتحرير أنفسنا أوّلًا فكريًّا وعقائديًّا، وفي هذا السياق يكون ذلك من خلال تفكيك الارتباط بين العنف الجنسيّ والعار والضحيّة. وتضيف: «علينا أن نُعيد تعريف العنف الجنسيّ كجريمة سياسيّة وأداة استعماريّة، وهي خطوة مركزيّة لكسر الصمت وتعزيز الإبلاغ، وحتّى بناء شبكات تضامن مُجتمعيّة مع الضحايا وتقديم الدعم النفسيّ والجسديّ لهنَّ. علينا كذلك تطوير آليات توثيق تُراعي سلامة الضحايا وكرامتهنَّ، مع بناء أرشيف قانوني يمكن استخدامه في المحافل الدولية لمُساءلة الفاعلين وفضح هذه المُمارسات. ونهايةً، بالتنظّيم المُجتمعي الشعبيّ لبناء شبكات حماية محليّة في مُواجهة عنف المُستوطنين». مواجهة الصمت أما بيسان طميزه، الباحثة في مؤسسة تنمية وإعلام المرأة «تام» فترى أن نهج الاحتلال باستهداف النساء جنسيا يقوم على دراسته الدائمة لطبيعة المجتمع وطريقة تفكيره وعاداته، «وهي أمور يمكن أن يساهم هو أي الاحتلال في إعادة تشكيلها أساساً،» حيث أن أفكار مجتمعنا من العار والنساء وفكرة العرض، الاحتلال يشتغل عليها، يعمل من هذه الناحية، لأنه يعرف تأثيرها. نقطة ثانية تتحدث عنها الباحثة وهي الناحية الاقتصادية، حيث تضيف: «بدل استخدام جهد كبير وضخ أموال للتهجير، سواء اقتحام عسكري وغيره، فإنه يلجأ إلى استهداف النساء بصمت، هنا نجد أنه يقوم بفعل التهجير بفعالية ومن دون بذل أي مجهود، وبالتالي من الناحية الاقتصادية يعتبر فعلا اقتصاديا للاحتلال». وحول كيف يرد المجتمع على الممارسات الاحتلالية، تقول الباحثة طميزة وهي المهتمة بقضايا النساء في مجتمع مستعمر: «لا أعلم بالتحديد، أحيانا الصمت أفضل من الكلام، بالنسبة لي، الصمت أفضل من كتابة تقرير حقوقي يقوم على لغة مستعمرة، الصمت أفضل من الكلام بلغة مستعمرة، هنا يكون السؤال: كيف يمكنني الرد؟ بأي لغة؟ هل يستطيع التابع أن يتكلم؟ لا، لا يستطيع أن يتكلم، بأي لغة سنتكلم بعد كل محاولات تدجين المجتمعات البدوية التي عشناها؟». وتتابع قائلة: «في قصة فكرة العار، عندما تحدث انتهاكات جنسية، يكون السؤال: إلى أي درجة يستفيد الاستعمار والاحتلال الإسرائيلي من هذه الانتهاكات، حتى عندما لم تحدث انتهاكات في السابع من أكتوبر رأينا أنه تمكن من الخروج برواية حول كيف انتهكت الإسرائيليات جنسيا من قبل الفلسطيني، ورغم أن الرواية كانت كاذبة إلا أنها وصلت الأمم المتحدة وتم تصديقها على مستوى عالمي، وحتى لو تم نفيها لاحقا إلا أنها بقيت مصدقة، وهو أمر يفعل فعله في التضليل والإلهاء السياسي». وفي مقابل كيف يستغل الاحتلال الدعاية التي يتم فبركتها يكون السؤال كيف نتعامل نحن كفلسطينيين مع هذه الاعتداءات والهجمات التي حدثت فعلا، والحقيقة تخبرنا أننا «نحاول ألا نتكلم في هذه الأمور، نتجنب الخوض فيها». وتشدد الباحثة: «نحن مطالبين بالكشف عن مدى استفادة الاستعمار لما نقول عنه ونصفه بإنه عادات وتقاليد ومثل عليا، فغالبا ما تكون هذه العادات والقيم استعمارية أو مستثمرة استعمارية، فهي بالنسبة لي لخدمة الاستعمار، وهي منظومة من منظومات الاستعمار». وتضرب مثالا ما حدث في مدينة الخليل قبل أعوام عندما تم إجبار نساء على تعريتهن وإقامة عرض أمام المجندين والمجندات الإسرائيليين، فيما لم يتحدث عن الأمر شيوخ وعشائر الخليل، لم يتحدثوا في القصة وعما حدث، من أجل سمعة النساء تارة، ومن أجل عدم إخافة النساء تارة ثانية. وتتابع: «الأمر بالنسبة لي الأمر مخيف جدا، أما عند السكوت عن الأمر والصمت على ما جرى نكتشف أنه تم التعاطي مع المسألة على أنها معيبة، وهو أمر يحتم علينا تبني فكرة غاية في الأهمية ومفادها عندما نتعرض لأي اعتداء جنسي من الاحتلال أو مستوطنيه فأن ذلك لا يعيبنا، يجب أن نمتلك الجرأة للخروج والحديث عن ما تعرضنا له، لكن للأسف هذه الفكرة غير موجودة في المجتمع». وتخلص طميزة إلى أنه، من المهم جدا مجابهة الخطاب السائد، الذي يروج للصمت والسكوت على أنه خطاب أخلاقي أو ديني أو عادات أو قيم، هذه مسألة مهمة جدا، والاحتلال يستثمرها في حربه ضدنا.

رجوع إلى المقالات