المصدر: القدس العربي
التصنيف: سياسة
تاريخ النشر: 2026-05-23 19:05:44
<p><img width="900" height="537" src="https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2026/05/tu.jpg" class="attachment-post-thumbnail size-post-thumbnail wp-post-image" alt="" decoding="async" srcset="https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2026/05/tu.jpg 900w, https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2026/05/tu-768x458.jpg 768w, https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2026/05/tu-296x178.jpg 296w" sizes="(max-width: 900px) 100vw, 900px"></p>عبّرت عدة جهات حقوقية عن مخاوفها من تواصل التصعيد، معتبرة أن الأزمة قد تتحول إلى مواجهة مفتوحة تهدد سير العدالة وتعمق حالة الاحتقان السياسي والحقوقي في البلاد. تونس ـ «القدس العربي»: تشهد الساحة القضائية في تونس هذه الأيام توترا متصاعدا بين الهيئة الوطنية للمحامين ووزارة العدل، في أزمة تجاوزت حدود المطالب المهنية التقليدية لتتحول إلى […]
العنوان: أزمة المحاماة ووزارة العدل في تونس… صراع قطاعي أم معركة حول مستقبل العدالة؟ عبّرت عدة جهات حقوقية عن مخاوفها من تواصل التصعيد، معتبرة أن الأزمة قد تتحول إلى مواجهة مفتوحة تهدد سير العدالة وتعمق حالة الاحتقان السياسي والحقوقي في البلاد. تونس ـ «القدس العربي»: تشهد الساحة القضائية في تونس هذه الأيام توترا متصاعدا بين الهيئة الوطنية للمحامين ووزارة العدل، في أزمة تجاوزت حدود المطالب المهنية التقليدية لتتحول إلى مواجهة مفتوحة حول واقع القضاء وضمانات المحاكمة العادلة ومستقبل العلاقة بين السلطة التنفيذية ومختلف مكونات العدالة. فالمشهد لم يعد مجرد خلاف إداري أو مهني عابر، بل أصبح يعكس حالة احتقان عميقة داخل الجسم القضائي والحقوقي، وسط تخوفات من انعكاسات هذا الصدام على صورة العدالة وثقة المواطنين في مؤسسات الدولة. فقد أعلنت الهيئة الوطنية للمحامين سلسلة من التحركات الاحتجاجية شملت حمل الشارة الحمراء والإضرابات الجهوية والوطنية، مع التلويح بالتصعيد ومقاطعة بعض الدوائر القضائية التي تعتبرها الهيئة تسير مرفق العدالة بطريقة تتعارض مع القانون. وفي المقابل أكدت وزارة العدل أن المحاكم ستواصل عملها بشكل عادي وأن تحركات المحامين لن تؤثر على سير مرفق العدالة أو مصالح المتقاضين. هذه الأزمة لم تأت من فراغ، بل هي نتيجة تراكمات طويلة من التوتر بين المحاماة والسلطة السياسية منذ سنوات، خاصة بعد التحولات الكبرى التي عرفتها تونس منذ 25 تموز/يوليو 2021، حين دخلت البلاد مرحلة سياسية جديدة أعادت تشكيل العلاقة بين السلطات والمؤسسات والهيئات المهنية. ومنذ ذلك التاريخ، أصبحت هيئة المحامين واحدة من أبرز الأصوات المنتقدة لما تعتبره «تراجعا في ضمانات استقلال القضاء وتضييقا على الحقوق والحريات». يعتبر كثير من المحامين أن الأزمة الحالية تتجاوز المطالب المادية والمهنية، لتلامس جوهر العدالة نفسها. فبيانات الهيئة الوطنية للمحامين تحدثت عن «استهداف ممنهج لحق الدفاع» وعن غلق أبواب الحوار مع سلطة الإشراف، وهو ما دفع القطاع إلى التصعيد عبر جلسات عامة استثنائية وإضرابات متتالية. ويؤكد هؤلاء المحامون أن الدفاع عن المحاماة ليس دفاعا عن امتيازات فئوية، بل هو دفاع عن حق المواطن في محاكمة عادلة تتوفر فيها شروط الاستقلال والتوازن بين مختلف أطراف العملية القضائية. بالمقابل، تبدو وزارة العدل متمسكة بخطاب يقوم على الحفاظ على استمرارية المرفق القضائي وعدم تعطيل مصالح المواطنين. فالوزارة تؤكد أن الدولة لا يمكن أن تسمح بشلل المحاكم أو تعطيل القضايا، خاصة في ظل الوضع الاقتصادي والاجتماعي الصعب الذي تعيشه البلاد. لذلك تحاول السلطة تقديم الأزمة باعتبارها خلافا قطاعيا لا يجب أن يتحول إلى أزمة وطنية أو إلى ضغط على مؤسسات الدولة. لكن قراءة أعمق للمشهد تكشف أن جوهر الأزمة يتجاوز هذه العناوين الظاهرة. فالمحاماة في تونس ليست مجرد مهنة حرة، بل لعبت تاريخيا دورا سياسيا ووطنياً محوريا. فقد كان المحامون دائماً في قلب المعارك الوطنية والحقوقية، سواء خلال مقاومة الاستعمار أو خلال مواجهة الاستبداد في العقود السابقة. كما لعبت هيئة المحامين دورا هاما خلال الثورة التونسية وما تلاها من انتقال سياسي. ولذلك فإن أي صدام بين السلطة والمحاماة يأخذ دائماً أبعادا سياسية ورمزية تتجاوز الإطار المهني الضيق. إن ما يزيد من حدة الأزمة الحالية هو شعور قطاع واسع من المحامين بأن السلطة التنفيذية تسعى إلى إعادة تشكيل المشهد القضائي بطريقة تقلص من دور الهياكل الوسيطة ومن قدرة المهن القضائية على التأثير أو الاعتراض. ولهذا يرى كثيرون أن المحاماة تخوض اليوم معركة دفاع عن موقعها داخل منظومة العدالة، وعن استقلاليتها التاريخية التي تعتبر جزءا من التوازن الديمقراطي داخل الدولة. كما أن الأزمة تكشف هشاشة العلاقة بين مختلف مكونات الأسرة القضائية. فالمفروض أن تقوم العدالة على شراكة متوازنة بين القاضي والمحامي وكتابة المحكمة وبقية المتدخلين في المرفق القضائي، لكن حالة الاحتقان الحالية تعكس وجود أزمة ثقة حقيقية بين هذه الأطراف. وهذا الوضع قد تكون له تداعيات خطيرة على المتقاضين أنفسهم، لأن أول ضحايا الصراع داخل العدالة هو المواطن الذي ينتظر الإنصاف وحسن تطبيق القانون. ومن بين النقاط التي أثارت جدلا واسعا مسألة تركيبة بعض الدوائر القضائية واحترام الإجراءات القانونية، وهي ملفات اعتبرتها هيئة المحامين من الأسباب المباشرة للتصعيد. فالمحامون يرون أن احترام الإجراءات ليس مسألة شكلية، بل هو جزء أساسي من ضمانات المحاكمة العادلة. بينما تعتبر السلطة أن بعض هذه الاعتراضات يتم توظيفها في إطار تصعيد سياسي أوسع. كما أن غياب الحوار الجدي بين الطرفين ساهم في تعميق الأزمة. فعادة ما يتم احتواء الأزمات المهنية عبر التفاوض وإيجاد حلول وسط تحفظ هيبة الدولة وتحمي في الوقت نفسه مطالب القطاع المعني. لكن ما يحدث اليوم يوحي بانسداد واضح في قنوات التواصل، وهو ما يدفع نحو مزيد من التصعيد والاحتقان. أزمة ضمن سياق عام وتثير هذه الأزمة أيضاً أسئلة أعمق حول واقع العدالة في تونس بعد سنوات من التحولات السياسية المتسارعة. فالكثير من الحقوقيين يعتبرون أن القضاء يعيش منذ سنوات حالة من الارتباك وعدم الاستقرار، سواء بسبب التغييرات التشريعية أو التوترات السياسية أو الضغوط المتبادلة بين السلطة التنفيذية والهياكل القضائية. وفي هذا السياق تأتي أزمة المحاماة لتكشف حجم الأزمة البنيوية التي تعيشها منظومة العدالة ككل. يقول المحامي صبري الثابتي لـ«القدس العربي» إن هذه الأزمة لا يمكن فصلها عن السياق السياسي العام في البلاد. فمنذ سنوات تشهد تونس استقطابا حادا بين أنصار السلطة ومعارضيها، وقد انعكس هذا الاستقطاب على مختلف المؤسسات والقطاعات، بما في ذلك القضاء والمحاماة. ولذلك ـ برأي الثابتي -فإن أي تحرك احتجاجي للمحامين يُقرأ سياسيا، سواء من قبل السلطة أو من قبل المعارضة، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد ويجعل الحلول أكثر صعوبة. ويضيف محدثنا: «كما أن هذه الأزمة تطرح قضية العلاقة بين الدولة والمهن الحرة عموما. فالمحاماة تعتبر نفسها شريكاً في إقامة العدالة لا مجرد قطاع يخضع للإدارة الحكومية. ولهذا فإن المحامين يرفضون أي مقاربة تعتبرهم مجرد موظفين أو منفذين داخل المنظومة القضائية. فهم ينظرون إلى أنفسهم كجزء من السلطة المعنوية للعدالة، وكضمانة أساسية لحقوق الدفاع والحريات العامة.» ويتابع الثابتي: «وفي المقابل، تبدو الدولة حريصة على فرض منطق الانضباط المؤسساتي وعدم السماح لأي قطاع بفرض الأمر الواقع عبر الإضرابات أو تعطيل المرافق العمومية. وهنا يظهر جوهر الصراع بين منطق السلطة ومنطق الاستقلالية المهنية، وهو صراع يتكرر في العديد من التجارب الديمقراطية لكنه يكتسب في تونس حساسية خاصة بسبب هشاشة المرحلة السياسية.» والمثير في هذه الأزمة أن آثارها لا تقتصر على المحامين ووزارة العدل فقط، بل تمتد إلى صورة الدولة نفسها. فحين تتصاعد المواجهة داخل مرفق العدالة، يشعر المواطن العادي بالقلق على مصير حقوقه وعلى قدرة المؤسسات على ضمان الإنصاف. كما أن المستثمرين والمتابعين الدوليين ينظرون إلى استقرار المنظومة القضائية باعتباره مؤشرا أساسيا على استقرار الدولة واحترام القانون. وقد عبّرت عدة جهات حقوقية وإعلامية عن مخاوفها من تواصل التصعيد، معتبرة أن الأزمة قد تتحول إلى مواجهة مفتوحة تهدد السير العادي للعدالة وتعمق حالة الاحتقان السياسي والحقوقي في البلاد. ورغم حدة الخطاب المتبادل، فإن كثيرين يرون أن الحل ما زال ممكنا إذا توفرت الإرادة السياسية والحكمة من الطرفين. فالدولة بحاجة إلى محاماة قوية ومستقلة تحمي حق الدفاع وتساهم في استقرار العدالة، والمحاماة بدورها بحاجة إلى مؤسسات دولة مستقرة وقضاء ناجز وفعال. لذلك فإن منطق الغلبة أو كسر العظام لن يكون في مصلحة أحد. إن الأزمة الحالية تبرز الحاجة الملحة إلى إصلاح عميق وشامل لمنظومة العدالة في تونس. إصلاح يقوم على الحوار الحقيقي بين جميع المتدخلين، وعلى احترام استقلال القضاء وحقوق الدفاع، وعلى تحديث القوانين والإجراءات بما يحقق التوازن بين هيبة الدولة وضمانات المحاكمة العادلة. كما تكشف هذه الأزمة أهمية المحاماة داخل البناء الديمقراطي. فالمحامي ليس مجرد صاحب مهنة، بل هو أحد أعمدة العدالة وحاملي فكرة الحق والقانون. وعندما يشعر المحامون بأن دورهم مهدد أو أن ضمانات المحاكمة العادلة تتراجع، فإنهم يعتبرون أنفسهم ملزمين بالدخول في معركة دفاع عن المهنة وعن الحقوق والحريات. وبالتالي تبدو الأزمة بين المحاماة ووزارة العدل في تونس أكثر من مجرد خلاف مهني ظرفي. إنها مرآة تعكس التوترات العميقة التي يعيشها المشهد السياسي والقضائي في البلاد، كما تكشف حجم التحديات التي تواجه الدولة في بناء منظومة عدالة مستقلة وفعالة ومتوازنة. لذلك فإن تجاوز هذه الأزمة لن يكون ممكناً عبر البيانات المتبادلة أو سياسة لي الأذرع، بل عبر حوار وطني جدي يعيد الثقة بين مختلف مكونات العدالة ويحفظ للمحاماة استقلاليتها وللمواطن حقه في قضاء عادل ومستقل.