الأزمة بين موريتانيا ومالي تنفجر من جديد: ماليون يهددون سفارة نواكشوط والخارجية الموريتانية تستدعي سفير باماكو وتحتج

المصدر: القدس العربي

التصنيف: سياسة

تاريخ النشر: 2026-05-22 16:59:44

<p><img width="730" height="430" src="https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2026/05/4-67.jpg" class="attachment-post-thumbnail size-post-thumbnail wp-post-image" alt="" decoding="async" fetchpriority="high"></p>نواكشوط –«القدس العربي»: دخلت العلاقات بين موريتانيا ومالي مرحلة توتر جديدة وُصفت بأنها الأخطر منذ سنوات، بعد انتقال الأزمة من مستوى الاحتجاجات الأمنية والاتهامات الدبلوماسية إلى الشارع المالي، وسط تصاعد خطاب التهديد ضد المصالح الموريتانية واستدعاء نواكشوط للسفير المالي احتجاجاً على ما تعتبره «تجاوزات غير مقبولة» تمس سيادتها وأمن جاليتها. وشهد محيط السفارة الموريتانية في […]

العنوان: الأزمة بين موريتانيا ومالي تنفجر من جديد: ماليون يهددون سفارة نواكشوط والخارجية الموريتانية تستدعي سفير باماكو وتحتج نواكشوط –«القدس العربي»: دخلت العلاقات بين موريتانيا ومالي مرحلة توتر جديدة وُصفت بأنها الأخطر منذ سنوات، بعد انتقال الأزمة من مستوى الاحتجاجات الأمنية والاتهامات الدبلوماسية إلى الشارع المالي، وسط تصاعد خطاب التهديد ضد المصالح الموريتانية واستدعاء نواكشوط للسفير المالي احتجاجاً على ما تعتبره «تجاوزات غير مقبولة» تمس سيادتها وأمن جاليتها. وشهد محيط السفارة الموريتانية في باماكو خلال اليمين الأخيرين احتجاجات غاضبة رفع خلالها متظاهرون ماليون شعارات داعمة للمجلس العسكري الحاكم، وهددوا بشكل مباشر باستهداف المحلات التجارية والمصالح الاقتصادية الموريتانية في مالي، إذا تعرضت المصالح المالية لأي اعتداء من المجموعات المسلحة، متوعدين بما وصفوه بـ «المعاملة بالمثل» رداً على اتهامات متبادلة مرتبطة بالوضع الأمني المعقد على الحدود المشتركة. وتحدثت بعض الشعارات أيضاً عن توسيع الضغط الشعبي ليشمل بوركينا فاسو والنيجر، الحليفتين الرئيسيتين لباماكو داخل تحالف دول الساحل، الأمر الذي أثار مخاوف من تعرض الجاليات الموريتانية في هذه الدول لموجة استهداف اقتصادي أو شعبي في ظل تصاعد الخطاب القومي والتعبئة السياسية ضد ما تعتبره باماكو «تدخلاً غير مباشر» في أزمتها الأمنية. واستدعت وزارة الخارجية والتعاون الإفريقي والموريتانيين في الخارج، مساء الخميس، السفير المالي في موريتانيا، باكاري دومبيا، عقب الاحتجاجات في محيط السفارة الموريتانية في باماكو. وأبلغ وزير الخارجية محمد سالم ولد مرزوك، الدبلوماسي المالي رفض موريتانيا القاطع لمثل هذه التصرفات. وأكد ولد مرزوك لباكاري دومبيا ضرورة احترام البعثات الدبلوماسية، والالتزام بمبادئ الاحترام المتبادل بين البلدين الشقيقين، وكذا التقيد بالاتفاقيات والأعراف الدولية ذات الصلة. هذا، ولم تعد الأزمة المتصاعدة بين موريتانيا ومالي مجرد خلاف حدودي عابر أو توتر دبلوماسي تقليدي بين دولتين جارتين في الساحل الإفريقي، بل تحولت خلال الأشهر الأخيرة إلى واحدة من أخطر الأزمات الجيوسياسية التي تهدد بإعادة رسم التوازنات الأمنية والسياسية في المنطقة بأكملها. ففي وقت تتسع فيه رقعة المواجهات المسلحة داخل مالي، وتزداد حدة الاستقطاب الدولي في الساحل، تبدو نواكشوط وباماكو وكأنهما تخوضان «حرباً باردة» مفتوحة تتجاوز لغة البيانات الرسمية إلى معارك النفوذ والاتهامات الأمنية والحشد الشعبي والإعلامي. وانفجرت الأزمة التي كانت تتحرك في البداية داخل الكواليس الأمنية المرتبطة بضبط الحدود المشتركة الممتدة لأكثر من 2200 كيلومتر، بشكل غير مسبوق خلال ربيع 2026، بعدما دخلت على خطها ملفات حساسة تتعلق بالإرهاب واللاجئين وحق المطاردة العسكرية وتوازنات التحالفات الدولية، لتتحول سريعاً إلى مواجهة سياسية وإعلامية حادة تحمل في طياتها مخاطر الانزلاق إلى احتكاك ميداني مباشر. الأكثر حساسية أن المحتجين لوّحوا بتوسيع دائرة «المعاملة بالمثل» لتشمل أيضاً بوركينا فاسو والنيجر، الحليفتين الرئيسيتين لمالي داخل تحالف دول الساحل، غير أن هذا التوتر الشعبي ليس سوى انعكاس لصراع أعمق انفجر رسمياً منتصف آذار/مارس 2026، عندما أعلنت هيئة الأركان المالية أن عنصرين من قواتها تمكنا من «الفرار» من داخل مخيم للاجئين في موريتانيا بعدما كانا محتجزين لدى جماعات مسلحة. وبالنسبة إلى باماكو، حمل البيان إيحاءً واضحاً بأن الأراضي الموريتانية تحولت إلى فضاء تتحرك فيه التنظيمات المسلحة أو تجد فيه ملاذات خلفية. وجاء الرد الموريتاني سريعاً وحاداً عبر بيان رسمي لوزارة الخارجية اعتبر الاتهامات «باطلة» و»مسيئة»، كما ندد بما وصفه بتجاوز الأعراف الدبلوماسية وعدم اللجوء إلى القنوات الرسمية قبل إطلاق اتهامات علنية بهذا الحجم. لكن خلف هذا التلاسن الدبلوماسي تختبئ أزمة ثقة حقيقية بين عقيدتين أمنيتين مختلفتين تماماً. وفي الوقت الذي تعتمد فيه السلطات المالية، بقيادة المجلس العسكري، مقاربة تقوم على الحسم العسكري الشامل والتحالف الأمني الوثيق مع روسيا، ترى نواكشوط أن الاستقرار في الساحل لا يمكن تحقيقه فقط بالقوة الخشنة، بل عبر مزيج من الضبط الأمني والحوار المحلي والتوازنات السياسية الإقليمية. وتتهم دوائر مقربة من السلطة في باماكو موريتانيا بأنها استفادت لعقود من «سياسة احتواء غير معلن» مع الجماعات المسلحة، سمحت لها بالحفاظ على استقرارها الداخلي منذ عام 2011، مقابل انتقال جزء كبير من النشاط المسلح نحو الداخل المالي. وتستحضر هذه الأوساط ملفات إطلاق سراح متشددين سابقين، إضافة إلى اتهامات تتعلق بتحول بعض مناطق الشرق الموريتاني إلى فضاءات عبور وتجارة مرتبطة باقتصاد الحرب والتهريب الحدودي. وفي المقابل، تعتبر نواكشوط أن هذه الرواية ليست سوى محاولة من باماكو لتصدير أزماتها الداخلية وإلقاء مسؤولية الإخفاقات العسكرية على أطراف خارجية، خصوصاً بعد الضربات القاسية التي تعرض لها الجيش المالي خلال الأشهر الماضية. وفي الخامس والعشرين من نيسان/أبريل 2026، تلقت السلطات المالية واحدة من أعنف الضربات الأمنية في تاريخها الحديث، إثر هجمات متزامنة نفذتها جماعة نصرة الإسلام والمسلمين بالتنسيق مع جبهة تحرير أزواد، واستهدفت سبع مدن استراتيجية دفعة واحدة، من بينها باماكو وكاتي وكيدال وغاو. وشكلت الهجمات زلزالاً سياسياً وأمنياً داخل مالي، خاصة بعد مقتل وزير الدفاع المالي الجنرال ساديو كامارا، في حادثة اعتُبرت الأخطر بالنسبة إلى المجلس العسكري الحاكم منذ وصوله إلى السلطة. ورغم استمرار العمليات الجوية المكثفة بدعم من قوة الفيلق الإفريقي الروسية، فإن الضغوط الميدانية دفعت باماكو إلى تشديد خطابها تجاه الحدود الموريتانية، واتهامها ضمنياً بأنها تمثل منطقة انسحاب أو إعادة تموضع لبعض الفصائل المسلحة. وكشف هذا التصعيد أيضاً أن الأزمة لم تعد محلية فقط، بل أصبحت مرتبطة مباشرة بصراع المحاور الدولية في الساحل؛ فمن جهة، يقف محور تحالف دول الساحل المدعوم روسياً، الذي يضم مالي والنيجر وبوركينا فاسو، ويطرح نفسه كبديل للنفوذ الغربي التقليدي في المنطقة. ومن جهة أخرى، تبدو موريتانيا أقرب إلى موقع «الشريك الآمن» بالنسبة للغرب، بعد تراجع نفوذ فرنسا والولايات المتحدة في بقية دول الساحل. وتدرك القوى الغربية أن موريتانيا أصبحت تمثل آخر نقطة ارتكاز مستقرة نسبياً في منطقة الساحل، وهو ما يفسر تنامي التعاون الأمني والعسكري بينها وبين واشنطن وشركائها الأوروبيين خلال الفترة الأخيرة. واليوم، تبدو العلاقات الموريتانية المالية عند مفترق طرق بالغ الخطورة، فإما أن تنجح الوساطات والقنوات الدبلوماسية في احتواء الأزمة وإعادة تفعيل آليات التنسيق الحدودي، أو تنزلق المنطقة نحو مرحلة أكثر توتراً قد تشمل استهداف المصالح الاقتصادية والجاليات، وربما احتكاكات ميدانية مباشرة على الحدود. وفي حال استمر هذا المسار التصعيدي، فإن المستفيد الأكبر لن يكون سوى التنظيمات المسلحة، التي لطالما استفادت من هشاشة العلاقات بين دول الساحل ومن الصراعات الإقليمية والدولية المتشابكة داخل واحدة من أكثر مناطق العالم هشاشة وتعقيداً.

رجوع إلى المقالات