الشهيد عودة عاطف العواودة… حين يكون الاسم سيرة لا رقماً

المصدر: القدس العربي

التصنيف: سياسة

تاريخ النشر: 2026-04-30 20:11:59

<p><img width="730" height="438" src="https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2026/04/Untitled-3-25.jpg" class="attachment-post-thumbnail size-post-thumbnail wp-post-image" alt="" decoding="async" fetchpriority="high" srcset="https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2026/04/Untitled-3-25.jpg 730w, https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2026/04/Untitled-3-25-296x178.jpg 296w" sizes="(max-width: 730px) 100vw, 730px"></p>أسماء الشهداء يجب أن تحفر في الذاكرة. لا يجوز أن نتعامل معها كأرقام. يجب أن نتوقف ملياً ونرى في الشهيد الإنسان الواعد المقبل على الحياة. نرى فيه الشاب والابن والأخ والمعلم والصحافي والمهندس. هؤلاء الضحايا، هم عماد المجتمع الفلسطيني ونخبته ومبدعيه. يجب أن نفتح صفحة من كتاب كل شهيد لنقرأ فيه أحلامه وطموحاته وخططه، وعلاقاته […]

العنوان: الشهيد عودة عاطف العواودة… حين يكون الاسم سيرة لا رقماً أسماء الشهداء يجب أن تحفر في الذاكرة. لا يجوز أن نتعامل معها كأرقام. يجب أن نتوقف ملياً ونرى في الشهيد الإنسان الواعد المقبل على الحياة. نرى فيه الشاب والابن والأخ والمعلم والصحافي والمهندس. هؤلاء الضحايا، هم عماد المجتمع الفلسطيني ونخبته ومبدعيه. يجب أن نفتح صفحة من كتاب كل شهيد لنقرأ فيه أحلامه وطموحاته وخططه، وعلاقاته وأصدقاءه وكتاباته وأغانيه التي يحب، وصوت مرتل القرآن المفضل لديه وأنواع الأعشاب البرية التي يحبها والزهور التي يزرعها حول بيته وتفانيه في احترام والديه، وسعادته التي كانت تشع من عينيه يوم عرسه. ثم يأتي مجرم مهاجر من آخر أصقاع الدنيا يحمل بندقية يستر فيها جبنه، ثم يتقدم تحت حماية الجيش الأكثر انحطاطا في العالم، ويضغط على الزناد ليردي ذاك الشاب أمام عيون أهله وأصدقائه، ويترك المشهد تحت حماية بنادق القتلة ويسير بشكل عادي وطبيعي دون أن يرف له جفن. أود في هذه العجالة أن أمر على باقة من شباب وأطفال فلسطين الذين تصيدهم المستوطنون اللصوص حديثا، وتجاوب أبناء فلسطين في المهجر حزنا وعزاء ودموعا على مآسيهم. «على جثتي قبل أن يدخلوا حظيرة الأغنام»، صرخ الشاب عودة عاطف شبلي عواودة من بلدة دير دبوان، عندما هجم المستوطنون لسرقة أغنامه من حظيرة أمام البيت بعد أن تظاهروا بأنهم سياح جاؤوا لاستكشاف منطقة التل الأثرية القريبة من البيت. قرروا الإغارة على حظيرة الخراف. هجم عليهم عودة كالسبع بعد أن أبعد والده من الطريق. كان بإمكانه أن يدمرهم بقبضة يده القوية، لولا أن المجرم ضغط على الزناد رعبا، وأطلق زخات من الرصاص وهرب إلى مجموعة المستوطنين التي يحميها الجيش. سال شلال غزير من الدم. في الطريق إلى المستشفى رأى طيفا لطفلتيه التوأم قمر وآية اللتين ولدتا في فبراير ولم تكملا شهرهما الثالث. اختلطت الصور وانتشر غباش كثيف. شعر بأنه يطير إلى السماء وفي يمينه قمر وفي يساره آية. رأى الطفلتين تحلقان بجناحيين أبيضين وتختفيان في الضباب. ودع ابن الخامسة والعشرين الحياة وعلى ثغره ابتسامة. اهتزت البلدة عن آخرها. تحولت إلى كتلة واحدة تسير وراء الجنازة. تداعت بقية القرى للمشاركة، خاصة أبناء توأمي البلدة مخماس وبرقة. مرّ عودة على بيت والديه وودعهما وحملته الأكف إلى مثواه شهيدا مع الأبرار والصالحين. وصل بكاء الطفلتين إلى نيوجرسي. صورة الطفلتين هزتنا من الأعماق. «فليس لعين لم يفض ماؤها عذر». أقيم له عزاء مساء الخميس يليق به في أكبر مساجد باترسون. كان الزحام كبيرا فأبناء ديرديوان والجالية الفلسطينية منتشرة بكثافة في هذه المناطق. قيل الكثير في العزاء، كل واحد منا شعر بأنه فقد صديقا أو قريبا أو صهرا أو تلميذا. الشهداء بالجملة والوجع بالجملة والقهر بالجملة والانتماء لفلسطين يتعزز كلما سقط شهيد.. كل فلسطيني مشروع شهادة، سواء كان في مخيم جباليا أو مخيم جنين، في عين الحلوة أو اليرموك قبل يوم واحد أقمنا عزاء لشهداء بلدة «المغيّر»، الطفل أوس حمدي النعسان ابن الثلاثة عشر ربيعا، الذي تصيده القاتل المستوطن في ساحة مدرسته. التحق أوس بوالده الشهيد حمدي الذي أرداه الجيش عام 2019 ـ وفي المواجهة نفسها استشهد جهاد مرزوق أبو نعيم وهو يحاول ان يحمي طلاب المدرسة من الرصاص. وقبل هؤلاء أقمنا عزاء في مسجد باترسون الكبير لشهداء بلدة «أبو فلاح» الثلاثة ومن بينهم الأخوان ثائر وفارع حمايل. قتلهم المستوطنون بدم بارد داخل البلدة بعد أن زرع المستوطنون بؤرة بالقوة المسلحة. وقبل هؤلاء وقفنا في فيلادلفيا نستقبل مئات المعزين الذين حضروا من كل حدب وصوب لمشاركة عائلة صيام في استشهاد زين الشباب وفارس الأصيلة «شمس»، نصر الله محمد جمال صيام، ابن التسعة عشر ربيعا، والذي وصل صدى استشهاده الكونغرس والأمم المتحدة وبلدية المدينة، وكل وسائل الإعلام ومنظمات حقوق الإنسان. ومن قبله جلسنا مع أبناء ترمسعيا في مركز الجالية الفلسطينية في باترسون/كليفتون لاستقبال المعزين في الطفل عامر ربيع ابن الأربعة عشر ربيعا الذي ذهب في زيارة للوطن فأردوه شهيدا. وقبل هؤلاء تجمعنا لتقديم العزاء في قصي معطان من بلدة برقة الذي أطاح به المستوطنون وهو يدافع عن زيتونه وأرضه وبيته. قافلة الشهداء تسير. ينضم لها يوميا ضحايا جدد. لا نريد أن نتوسع في ذكر شهداء كريوت وطمون وسنجل وبورين ومسافر يطا وجنين وقلقيلية. أما أهل غزة في منطقتنا فقد اختاروا مسجد مدينة يونيون لانتشار الجالية الغزية في المنطقة. جلسات العزاء لم تتوقف. الشهداء بالجملة. نسير جماعة لتعزية قوافل شهداء عائلات الحساسنة والسمنة وأبو شريعة والشوا والعشّي وأبو جزر والعدوان وأبو حطب والرنتيسي وغيرهم. لقد محي من السجل المدني 2700 عائلة بالكامل. الشهداء بالجملة والوجع بالجملة والقهر بالجملة والانتماء لفلسطين يتعزز كلما سقط شهيد. * كل فلسطيني مشروع شهادة، سواء كان في مخيم جباليا أو مخيم جنين، في عين الحلوة أو اليرموك. أتذكرون كم فلسطينيا تم تصيده في الخارج. أليكس عودة اغتالوه في لوس أنجلس، وخليل الوزير في تونس، وغسان كنفاني في بيروت، وعزالدين القلق في باريس، وسعيد حمامي في لندن ومحمود المبحوح في دبي، وفادي محمد البطش في كوالا لامبور. وماجد أبو شرار في روما ونعيم خضر في بروكسيل وناجي العلي في لندن وإسماعيل هنية في طهران، وحسين أبو الخير في نيقوسيا، ورزان وأختها يسر أبو صالحة وزوج يسر ضياء اغتيلوا في كارولينا الشمالية، والطفل وديع الفيوم ابن السنوات الست الذي طعن في شيكاغو 26 طعنة. يحمل الفلسطيني روحه على راحته وعلى استعداد أن يضحي بها من أجل حياة حرة وكريمة ووطن معافي من كل أنواع القهر والظلم. * كل فلسطيني مشروع مناضل. يسافر الفلسطيني إلى أنحاء الأرض ويحمل قضيته في قلبه وعلى كاهله ويطرح حمولته أينما حل. لا مهرب من المسؤولية سواء كنا في رام الله أو في باترسون، في بيروت أو في سانتياغو. هذه أقدارنا. لا مفر. «حاصر حصارك بالجنون. لا إخوة لك يا أخي لا أصدقاء يا صديقي». يصل الفلسطيني تشيلي فيفتح بنكا وشركات ويشكل فريق كرة قدم. يصل بليز ويصبح رئيسا للجمهورية، فيغار منه رفيقه في السلفادور فيقود ثورة ضد الطاغية ويتنافس فلسطينيان على رئاسة الجمهورية. وتهزم رشيدة طليب كل أموال الإيباك وتصل بثوبها الفلسطيني المطرز عتبات الكونغرس، ويتبوأ إدوارد سعيد رئاسة مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة كولمبيا ليصبح من أهم مفكري القرن العشرين ويرد على كل تحريفات المستشرقبن. ويتبوأ يوسف الصايع موقعا مرموقا كأهم خبير اقتصادي في الشرق الأوسط، أما وليد الخالدي فمن على منابر جامعة هارفرد يصبح أهم مرجع تاريخي في العالم للقضية الفلسطينية. الفلسطينيون ينتشرون في العالم وعندما تتاح لهم الفرصة يبدعون في الفن والعلم والاقتصاد والصحافة والسينما والإدارة والرياضة. يجترحون من المستحيل المعجزات ليقولوا للعالم نحن شعب حضاري أصيل لا أحد يستطيع أن يشطب وجودنا أو إبداعاتنا أو أحلامنا في وطن حر معافى من كل أدران الاستعمار والاضطهاد والاحتلال والفصل العنصري. أما هؤلاء العابرون في كلام عابر فإلى زوال فهم يعرفون أن ليس لهم جذور في هذه الأرض التي تشبه أصحابها. سيمرون ولا يتركون إلا آثار جراح تجرعتها الأمهات والأطفال والزوجات والآباء. سيحملون عظامهم ويرحلون بعد أن يأخذوا حصة من دمنا. فصبرا يا أهلي وأحبائي «قد قارب صبحك بالبلج». &nbsp;كاتب من فلسطين

رجوع إلى المقالات