المصدر: القدس العربي
التصنيف: سياسة
تاريخ النشر: 2026-04-30 20:07:04
<p><img width="730" height="438" src="https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2026/04/Untitled-4-22.jpg" class="attachment-post-thumbnail size-post-thumbnail wp-post-image" alt="" decoding="async" fetchpriority="high" srcset="https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2026/04/Untitled-4-22.jpg 730w, https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2026/04/Untitled-4-22-296x178.jpg 296w" sizes="(max-width: 730px) 100vw, 730px"></p>مزدحمة غزة بالدمار والركام وغارقة في طوفان من الدماء. فهل تعبّر هذه الكلمات عن المشهد القاتم هناك؟ وهل الفلسطيني بعينه هو من اقترف الدمار وجر الويلات على أبناء شعبه؟ هذا الفلسطيني، أو البعض الفلسطيني، الذي اعتقد بأنه من خلال نهج المقاومة العسكرية سيكفل إنجاز المشروع الوطني الفلسطيني، وتحقيق أهدافه المشروعة، التي ينشد من خلالها التحرر […]
العنوان: وعود السابع من أكتوبر مزدحمة غزة بالدمار والركام وغارقة في طوفان من الدماء. فهل تعبّر هذه الكلمات عن المشهد القاتم هناك؟ وهل الفلسطيني بعينه هو من اقترف الدمار وجر الويلات على أبناء شعبه؟ هذا الفلسطيني، أو البعض الفلسطيني، الذي اعتقد بأنه من خلال نهج المقاومة العسكرية سيكفل إنجاز المشروع الوطني الفلسطيني، وتحقيق أهدافه المشروعة، التي ينشد من خلالها التحرر والاستقلال، فاجتهد وباغت عدوه في عقر أمنه، وأدهش العالم بقدرة الفلسطيني على المواجهة والمقاومة، رغم الحصار وسياسات القتل الصهيونية. غير أنه ومن جهة أخرى، لم يكن يتخيل حجم وعمق الوحشية الخاصة بالمنظومة الأمنية الصهيونية، التي أطلقت واحدة من أشرس وأفظع الإبادات البشرية الجماعية بحق غزة، لتطال هذه الإبادة أيضاً بعض مستويات البناء العلوي الخاص بالوعي الفردي والجماعي على الصعيد الفلسطيني. إن وجع غزة لا حدود له، ويحق للناس هناك أن يعتقدوا بما يشاؤون، بعد أن دُمرت حياتهم وحيزهم المكاني والزمني أيضاً، ويحق لهم أن يسمحوا للخيبة أن تخيم في أوساطهم، بلى أنا ضحيت بأكثر من 21 عاماً في سجون الاستعمار الصهيوني على مذبح حرية شعبي، ولكنني لم أخسر أسرتي في الحرب، وهذا ما يؤلمني ويجعلني أقول في كل مرة، إن 21 عاماً في المعتقل والغربة الحديدية والمعاناة والتجويع والحرمان والتنكيل والتعسف، لا تساوي نقطة دم واحدة أُهرقت في غزة. ولكن من الذي زجّني في السجن؟ من الذي أباد شعبي في غزة؟ من الذي يمارس في كل لحظة ويطبق إجراءات الموت والقتل الاستعماري؟ من الذي يطمح إلى ردعي ومنعي من مقاومته؟ إنها الكينونة الكولونيالية للنكبة الصهيونية في فلسطين، ولا تتعلق المسألة هنا بشماعة نلقي ونعلق عليها خيباتنا وإخفاقاتنا، كلا، فالقضية هنا قضية استعمار وحشي وفاشي لا يتوانى للحظة عن تدمير وتفكيك كل مستويات حياة الفلسطيني، بدءاً من شبكة مياه الصرف الصحي، وليس انتهاء بالاقتتال الداخلي الفلسطيني، فمنذ البداية سعت العقيدة الأمنية الصهيونية نحو إنفاذ وتمرير أهم مرتكزات رؤيتها القاضية بالصدمة والرعب والردع، مطورة في هذا الجانب رؤى جنرال الحرب الألماني كارل فون كلاوزفيتز، عبر فرض إرادة المستعمر العاتية، وإحالة الحرب إلى شأن طبيعي يُمارس ضد الفلسطيني، وتجلت هذه الرؤية من بدايات السعي الفلسطيني الحثيث نحو مقاومة العدو الصهيوني، عبر تبني النهج الكفاحي العسكري، فما أن كانت فصائل وتشكيلات منظمة التحرير الفلسطينية تشن العمليات الفدائية ضد العدو، حتى يهاجم هذا الأخير ويقصف التجمعات المدنية الفلسطينية في مخيمات الشتات في الأردن ولبنان، بهدف إعلاء التكلفة وتدفيع الثمن الفادح على حساب المدنيين الأبرياء، بالإضافة إلى استهداف الوعي الفلسطيني الجمعي ودفعه نحو انتهاج سلوك مثقل بالخيبة والتخبط، وهذا ما يؤدي بدوره إلى إرباك القيادة الفلسطينية، وإثقال كاهلها بأعباء وأولويات أخرى سوى التصدي ومقاومة العدو. وتعاظمت السياسة الأمنية وعقلية حرب القبيلة الصهيونية في حرب لبنان 1982 وحصار بيروت وتدميرها، والأنكى من ذلك دفع العالم بأكمله نحو كراهية الفلسطينيين، كما لو أنهم طاعون البشرية المعاصر، حيث قُتل الفلسطيني في بيروت وصُلب أمام مرأى العالم لا لشيء فقط لأنه تجرّأ على الرفض والمقاومة وعدم التنازل عن ثوابت الشعب الفلسطيني، رغم الدمار والدماء والحصار، لم يتخل الفلسطيني عن الفلسطيني وفشلت الرؤية الأمنية الصهيونية في تفتيت الوعي الجمعي الفلسطيني، بل باغت وأدهش الشعب الفلسطيني العالم بانتفاضته الكانونية المجيدة في عام 1987، التي انطلقت واندلعت من قهر غزة وعذاباتها، من جباليا كانت الشرارة التي أشعلت النيران في جثة الخيبة الفلسطينية والعقيدة الأمنية الصهيونية، التي خسرت في رهانها على تدمير أسس وقواعد الشعب الفلسطيني. أما الإبادة الجماعية التي ما زالت تُرتكب حتى الآن في غزة، ففظاعتها أكبر وأثمانها أفدح لماذا؟ لأنه وحده العدو الصهيوني من أدرك أن هجوم المقاومة الفلسطينية على القواعد العسكرية الصهيونية فجر السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، لم يكن مجرد عملية عسكرية في سياق الصراع الصهيوني الفلسطيني، بل ثمة صدع عميق أصاب هذه العقيدة الصهيونية وطال طبقاتها العسكرية والأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وأن التداعيات الاستراتيجية لهذا الهجوم ستكون كارثية. أما من الناحية التكتيكية فقد كانت الفرصة سانحة لاقتراف جرائم الإبادة الجماعية بحق غزة، من دون أدنى رادع إنساني، فالصهيوني يعلم جيداً أن معظم البيوت التي دمرها وسواها بالأرض لم تنطلق منها الخلايا المقاومة، التي أذلت وانتهكت هيبة الجيش الصهيوني الذي بات يُقهر، وأن من يقطن هذه البيوت مجرد مدنيين أبرياء يسعون في كل صباح نحو مواجهة شظف العيش، وآلام الحصار الصهيوني لغزة منذ عشرات السنين، ما يدفع أولئك الأبرياء نحو التفكير بكل خيبة وألم وفقدان وحسرة في جدوى السابع من أكتوبر. وها هي غزة اليوم، منكوبة، مُدمرة، مُبادة، وكل الشعب الفلسطيني، من دون استثناء، عالق الآن في نفق مظلم ومخيف، والخوف الأكبر يكمن في عدم التقدم داخل النفق حتى نلتمس النور في آخره. أجل، ثمة وعود للسابع من أكتوبر، أصابت المقاومة أم أخطأت، وإن بوركتُ أم لُعنتُ بسبب موقفي من هذا الشأن العظيم، وإن كانت خسارة أم انتصارا، وإن كانت عملية أوسلو خطيئة وعملية طوفان الأقصى خطأ أو صوابا، المهم في هذا الجانب أننا ما زلنا هنا أحياء ونكافح في سبيل الصمود، أحياء رغم الإبادة، فمن رحم الإبادة ستولد الحياة وستفي الوعود بإجاباتها وتنهداتها المعذبة. كاتب فلسطيني