المصدر: القدس العربي
التصنيف: سياسة
تاريخ النشر: 2026-04-29 17:19:32
<p><img width="730" height="430" src="https://www.alquds.co.uk/wp-content/uploads/2026/04/3-115.jpg" class="attachment-post-thumbnail size-post-thumbnail wp-post-image" alt="" decoding="async" fetchpriority="high"></p>غزة- «القدس العربي»: لم تكن الساعة قد تجاوزت خيوط الفجر الأولى في حي «التوام» الواقع شمالي قطاع غزة، حينما قررت آلة الحرب الإسرائيلية أن تكتب فصلًا جديدًا من فصول الإبادة في سجل عائلة «الطناني». هناك، في المنطقة التي تقع خارج حدود «الخط الأصفر»، وحيث ساد اعتقاد واهم بالأمان وفقًا لتفاهمات وقف إطلاق النار، استيقظ العالم […]
العنوان: عائلة الطناني تُباد تحت سقف الأمان الإسرائيلي الزائف غزة- «القدس العربي»: لم تكن الساعة قد تجاوزت خيوط الفجر الأولى في حي «التوام» الواقع شمالي قطاع غزة، حينما قررت آلة الحرب الإسرائيلية أن تكتب فصلًا جديدًا من فصول الإبادة في سجل عائلة «الطناني». هناك، في المنطقة التي تقع خارج حدود «الخط الأصفر»، وحيث ساد اعتقاد واهم بالأمان وفقًا لتفاهمات وقف إطلاق النار، استيقظ العالم على صرخة لم تكتمل، وتحولت الأحلام المعلقة في أرحام الأمهات إلى أشلاء موشحة بغبار الركام. مجزرة في الأمان شقت سيارات الإسعاف طريقها بصعوبة بالغة بين الأزقة التي طمس الاحتلال معالمها، كان الغبار يغطي الوجوه، والدموع تسبق الكلمات. في لحظة واحدة، تحول منزل عائلة «الطناني» من ملاذٍ دافئ إلى ركامٍ ينبعث منه الموت، بعد أن استهدفته أربع قذائف متتالية، لم تترك حجرًا على حجر. كانت الحصيلة ثقيلة بما لا يطيقه عقل بشري: ارتقاء الأم «إسلام الطناني» ومعها أربعة من أطفالها؛ اثنان غادرا الحياة وهما في ربيع العمر، وجنينان توأم في شهرهما الرابع، اغتالهما القصف قبل أن يشهقا زفير الأرض الأول. يجلس الوالد «زاهر الطناني» في باحة مستشفى الشفاء الطبي، مكسورًا كشجرة زيتون عصفت بها الريح. عينه اليمنى معصبة بضمادة طبية إثر إصابته في القصف، لكن جرح روحه كان أعمق بكثير. يمسك بمنديل يمسح به خليطًا من الدماء والدموع، وبينما يحيط به المواطنون لمواساته، كان صوته يرتجف وهو يروي اللحظات الأخيرة: «كنا جالسين في أمان الله في منزلنا المجاور لمستشفى كمال عدوان، وهي منطقة مصنفة بأنها آمنة، وعدنا إليها كما عاد سائر الناس». في غزة «أرحام النساء أهداف عسكرية» يصمت زاهر لحظة، ثم يتابع بمرارة خلال حديثه لـ«القدس العربي»: «في هدوء تام، لم نشعر إلا والقذائف تنهال علينا كالمطر. القذيفة الأولى تلتها الثانية ثم الثالثة والرابعة، وبعد ذلك بدأ إطلاق النار بكثافة. كلما حاولت التحرك نحو عائلتي، كانوا يطلقون النار نحوي». ويوضح: نحن في جوار مستشفى يعمل، والمنطقة يفترض أنها آمنة، لقد استشهدت زوجتي وابناي حمزة ونايا، وجنينان توأم اختارهما الله ليكونا من الشهداء قبل أن يبصرا النور. هذا حال غزة ولكن الحمد لله على كل حال ». فجيعة الجدة المكلومة على مقربة منه، كانت الجدة «خولة الطناني» تتوسط جمعًا من النسوة، جسدها يرتجف بهستيريا الفقد، وصراخها يمزق نياط القلوب. ترفع يديها نحو السماء تارة، وتضمهما نحو صدرها وكأنها تحاول احتضان أرواح رحلت دون وداع. كانت تنادي «إسلام» وكأنها تتوقع إجابة من بين الأكفان: «يا وجع قلبي، رحلت أم إسلام ورحل معها أطفالها. من يحميني الآن يا رب؟ لقد تركتني ورحلت، من سيحملني ومن سيعينني؟». تستطرد الجدة خلال حديثها لـ«القدس العربي» والدموع تحفر أخاديد في وجهها المتعب: «لقد لبستِ ثوبك الأبيض يا ابنتي يا عروسة قلبي، أخذتِ قلبي معكِ يا إسلام. حسبي الله ونعم الوكيل فيهم، قتلوا البراءة وقتلوا الأم في بيتها الآمن». كان مشهد الجدة يختصر وجع شعبٍ كامل، حيث تصبح الأمومة هدفًا، والأرحام مقابر جماعية صغيرة. قذائف اغتالت الطفولة أما «سمية الطناني»، شقيقة الشهيدة، فكانت تقف مكتوفة اليدين، وكأنها تحاول لملمة شتات نفسها المبعثرة. تروي لـ«القدس العربي» تفاصيل الدقائق التي حوّلت المنزل إلى مقبرة: «سقطت أربع قذائف، كل قذيفة كانت تستهدف أحدًا من الأطفال. استشهدت إسلام ومعها طفلها ذو الاثني عشر عامًا، وطفلتها ذات السنوات الثلاث، والجنينان التوأم». تتساءل سمية بحرقة: «ما ذنب هذه الطفلة التي بقيت وحيدة دون أمها ودون أخيها التوأم الذي استشهد أيضًا؟ الاحتلال لا يحترم بشرًا ولا حجرًا، وهذه المنطقة بعيدة تمامًا عن خطوط التماس. لقد تعايشنا مع القصف لسنوات، لكن هذه المرة كانت الفاجعة أكبر من أن تُحتمل، لقد قتلوهم وهم في سكينة منزلهم». إبادة عائلية متكررة وسط هذا الزحام من الموت، وقف الجد «أشرف الطناني» شامخًا رغم الجراح، يشير بيده نحو الأكفان البيضاء المسجاة في باحة مستشفى الشفاء الطبي. لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يواجه فيها الجد فجيعة بهذا الحجم، فقد استعاد بمرارة تاريخًا طويلًا من استهداف عائلته: «ليشهد العالم على هؤلاء القتلة. في مايو 2021، استشهد ابني وأطفاله الستة وزوجته الحامل، واليوم يتكرر المشهد ذاته مع عائلة ابني الآخر». وبنبرة تمزج بين الصبر والتحدي، أضاف الجد خلال حديثه لـ«القدس العربي»: «يدّعون أن جيشهم صاحب أخلاق، فأي أخلاق تقتل طفلة في الرابعة وطفلًا لم يبلغ الثالثة عشرة وأمهم؟ نحن في منطقة صنّفها الاحتلال بأنها آمنة، لكن الحقيقة أنه لا توجد منطقة آمنة في غزة؛ الدم الفلسطيني مستباح، والبيت والشجر والحجر مستباح. لكننا باقون في أرضنا مهما طال الزمن». الوداع المرّ الأخير اختتم المشهد المهيب بصلاة الجنازة على الجثامين التي لفتها الأكفان البيضاء. في تلك اللحظة، انحنى الأب المكلوم «زاهر» نحو طفلته «نايا»، طبع قبلة أخيرة على جبينها الصغير الذي غطاه غبار القصف، وودعها بكلمات خافتة غلبتها العبرات. وسط تكبيرات الحاضرين وبكاء النسوة، حُملت الأجساد الصغيرة لتوارى الثرى، تاركةً خلفها صمتًا أبديًا في حي «التوام»، ودماءً ستظل شاهدة على أن الموت في غزة لا يستثني أحدًا، حتى أولئك الذين لم يولدوا بعد. انتهت حكاية «إسلام» وأطفالها تحت ركام منزلهم، لكن صرخة الأجنة التي خمدت في الأرحام بقيت تدوي في ضمير العالم، شاهدةً على مأساة إنسانية تتجاوز حدود الوصف، حيث تتحول المنازل «الآمنة» إلى أهداف مباشرة لأدوات الموت الإسرائيلية، وتصبح الأكفان هي الزي الرسمي لصباحات غزة الحزينة.