المصدر: الجزيرة
التصنيف: سياسة
تاريخ النشر: 2026-04-27 07:06:44
سيختار ترمب بين خسارتين، تتوازنان من حيث الصعوبة عليه؛ الأولى تتمثل في الجنوح، إلى المزيد من ارتكاب جرائم الحرب، بلا جدوى عسكرية أو إنجاح المفاوضات ما يعني خسارة الحرب.
العنوان: ترمب والتقلب بين الخسائر منذ تولى دونالد ترمب، رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية، للمرة الثانية في عام 2025، أصبح كما يشبه اللغز، من حيث تقلب مواقفه، وكيفية تعامله في قيادته السياسية الأمريكية داخليا وعالميا.لقد حار المحللون عند معالجة أية قضية، في توقع ماذا سيفعل ترمب في صباح اليوم الثاني منها. هل سيستمر على الموقف نفسه الذي اتخذه أمس، أم سيطرح موقفا جديدا، غير متوقع. فقد اشتهر بتغير مواقفه، وازداد الوضع تعقيدا، بعد شنه الحرب بالتشارك مع نتنياهو، ضد إيران.لقد حدد هدفا، غير منطقي وغير واقعي، لهذه الحرب العدوانية، المخالفة للقانون الدولي، والمرفوضة من أغلب دول العالم، وشعوبه. وقد قوبلت بشبه إجماع دولي، يطالب بوقفها، بما في ذلك، أوروبيا، ما هدد الحلف الأطلسي، بالانفراط.وهو الحلف الذي تأسس وتماسك، من بعد الحرب العالمية الثانية، حتى اليوم، واعتبر من ثوابت الإستراتيجية الأمريكية، التي أصبحت الدولة رقم واحد، وغدت على رأس النظام العالمي أحادي القطبية، بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، وانحلال حلف وارسو في أوائل التسعينيات.شن ترمب، تلك الحرب، بهدف إسقاط نظام الجمهورية الإيرانية الإسلامية، والمجيء بقيادة مستسلمة لشروطه، كما حدث مؤخرا مع فنزويلا. وفي سبيل ذلك استخدم كل ما يمتلك الجيش الأمريكي، وجيش الكيان الصهيوني من أسلحة وقوة نيران، عدا القنبلة النووية. وكانت الصدمة الأولى أقوى وأشد نيرانا مما عرفته الحروب المعاصرة.ولكن تبين منذ الأسبوع الأول، وعلى مدى ممتد من 28 فبراير/شباط، إلى اليوم، أن هذا الهدف غير ممكن التحقيق. بل إن إيران توحدت، وصمدت وقاومت، بالرغم مما أصابها من خسائر مادية وبشرية، وصلت إلى اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي، وعدد مهم من قياداتها.وهي تقف الآن مع حلفائها، في جبهة القتال، ولا سيما حزب الله، ندا سياسيا وميدانا عسكريا. وراحت تضع شروطها، في مفاوضات باكستان لوقف الحرب، بناء على مبادرة من ترمب نفسه، ابتداء من 10 أبريل/نيسان 2026. إعلان بيد أن ترمب، كعادته، عرقل الوصول إلى اتفاق، في تلك المفاوضات التي سعى إليها. وراح يتبنى سياسات ومواقف متناقضة، تتراوح بين التوتير والتهديد، بعودة قصف البنى التحتية، وفتح مضيق هرمز بالقوة والسيطرة عليه. وكانت إيران قد وضعته تحت سيطرتها، وتحكمت بالملاحة الدولية عبره.ولكن ترمب، في الآن نفسه، عاد لفتح باب التفاوض، من خلال الوسيط الباكستاني، المدعوم من تركيا، ومصر، والسعودية، وقطر، ومن الدول العربية والإسلامية الأخرى، والأوروبية والدولية عامة.وبهذا أصبح وضع الحرب الخاسرة أمريكيا، يدور حول اتفاق وقف إطلاق النار بين واشنطن وطهران، بما يشمل الجبهة اللبنانية، بعد إصرار إيران، على أن يشملها الاتفاق، وبعد خضوع نتنياهو، مرتكب جرائم الإبادة، لإرادة ترمب، مع شعوره بالإهانة. ولكن مع استمرار سعيه، لإشعال الاعتداءات من جديد.هذا التناقض المتسم به موقف ترمب في هذه المرحلة، عاد ليشغل النقاش حوله، وحول تناقضات مواقفه، وإلى أين سينتهي الوضع الراهن، بين تصعيد إلى الحد الأعلى من جهة، وبين اضطرار ترمب، للتراجع أمام إيران، من الجهة الأخرى؟ وهو ما يكرس خسارته الحرب، وإخفاقه في تحقيق الهدف منها.وبهذا تخرج إيران وحلفاؤها، في حالة انتصار سياسي، وفي وضع يسمح بتغيير معادلة الصراع، في غير مصلحة ترمب، وكذلك، نتنياهو الذي عليه معالجة أزمة داخلية، تتهدد وضعه السياسي، وكذلك تقضي على أوهامه، حول "إسرائيل الكبرى"، وتغيير خريطة "الشرق الأوسط".والسؤال: أي الخيارات سترجح عند ترمب؟ هنا يمكن تلخيص الجواب، في أنه سيختار بين خسارتين، تتوازنان من حيث الصعوبة عليه؛ الخسارة الأولى تتمثل في الجنوح، إلى المزيد من ارتكاب جرائم الحرب، وبلا جدوى عسكرية.وذلك في حالة اختيار الإمعان في قصف مراكز إنتاج الطاقة، والكهرباء، والماء، والخدمات المختلفة، مما سيضاعف ما يواجهه من أزمة داخلية أمريكية، وهو تكرار، يفاقم العوامل التي فرضت عليه طلب الوساطة الباكستانية، لوقف إطلاق النار، ومن ثم حرصه على استمرارها.وبكلمةٍ، اللجوء إلى هذا الخيار، يعني خسارة الحرب، بسبب ما يقابلها من صمود إيراني، وما سيواجهه من سوء سمعة وفشل.أما الخسارة الثانية، فهي المتمثلة في إنجاح المفاوضات، والوصول إلى اتفاق، أقرب ما يكون، لشروط إيران، لإنهاء الحرب (الشروط العشرة، أو الخمسة).وفي الخلاصة، الاعتراف الضمني والعملي بأن الحرب فشلت في تحقيق هدفها، بتغيير النظام وفرض الاستسلام، ومن ثم الدخول في معادلة إقليمية وعالمية، في غير مصلحة أمريكا، إلى جانب تدهور وضع الكيان الصهيوني، الذي رهنه نتنياهو في لبنان وغزة؛ لتحقيق هدف "إسرائيل الكبرى" التي تضع تحت سيطرتها المطلقة، دول "الشرق الأوسط"، بالقوة والإملاءات.والفشل هنا يعني، كما يتوقع الكثيرون، انقلاب السحر على الساحر الأمريكي- الصهيوني. فطريق النهاية مفتوح للعبور، باتجاه المزيد من تدهور وجود الكيان الصهيوني، الذي حله الوحيد هو الرحيل. الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة. إعلان